فخر الدين الرازي
47
تفسير الرازي
المسألة الثانية : * ( غير المحق ) * في حكم المصدر ، ومعناه : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به ( وظن الجاهلية ) بدل منه ، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق : أديان كثيرة ، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية ، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق ، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا ، وهو ظن أهل الجاهلية ، كما يقال : فلان دينه ليس بحق ، دينه دين الملاحدة . المسألة الثالثة : في قوله : * ( ظن الجاهلية ) * قولان : أحدهما : أنه كقولك : حاتم الجود ، وعمر العدل ، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية ، والثاني : المراد ظن أهل الجاهلية . الصفة الثانية : من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى : * ( يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ) * . واعلم أن قوله ) * ( هل لنا من الأمر من شيء ) * حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها ، وهو يحتمل وجوها : الأول : أن عبد الله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة ، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم ، فغضب عبد الله بن أبي من ذلك ، فقال عصاني وأطاع الولدان ، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبد الله بن أبي قيل له : قتل بنو الخزرج ، فقال : هل لنا من الأمر من شيء ، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها ، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا : * ( لو أطاعونا ما قتلوا ) * ( آل عمران : 168 ) والمعنى : هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الانكار . الوجه الثاني في التأويل : أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا : عليه الأمر ، فقوله : * ( هل لنا من الأمر من شيء ) * أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد ، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الانكار ، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته ، وهذا استفهام على سبيل الانكار . الثالث : أن يكون التقدير : أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء ، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار ، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله : * ( قل إن الأمر كله لله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو ( كله ) برفع اللام ، والباقون بالنصب ، أما وجه الرفع فهو أن قوله : ( كله ) مبتدأ وقوله : ( لله ) خبره ، ثم صارت هذه الجملة خبراً لان ، وأما النصب فلان لفظة " كل " للتأكيد ، فكانت كلفظة أجمع ، ولو قيل : ان الأمر أجمع ، لم يكن إلا النصب ، فكذا إذا قال " كله " .